محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
169
الآداب الشرعية والمنح المرعية
الدنيا لنا لا لهم ، وإقبال الخلق علينا ، وفي الآخرة بيننا وبينهم تفاوت إن شاء اللّه تعالى . والعجب لمن شرفت نفسه حتى طلب العلم - إذ لا تطلبه إلا نفس شريفة - كيف يذل لنذل ، ما عزه إلا بالدنيا ، ولا فخره إلا بالمسكنة . وقال ليس في الدنيا عيش إلا لعالم أو زاهد . قال : وإذا قنعا بما يكف لم يتمندل بهما سلطان ، ولم يستخدما بالترداد إلى بابه ، ولم يحتج الزاهد إلى تصنع ، والعيش اللذيذ المنقطع الذي لا يتمندل به ولا يحمل منه ، وما أكثر تفاوت الناس في الفهم حتى الشعراء كما قال بعضهم : همها العطر والفراش ويعلو * ها لجين ولؤلؤ منظوم وهذا قاصر فإنه لو فعلت هذا سوداء لحسنها ، إنما المادح هو القائل : ألم تر أني كلما جئت زائرا * وجدت بها طيبا وإن لم تطيب وكقول الآخر : أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني * حتى إذا قلت هذا صادق نزعا ولو كان صادقا في المحبة لما كان له قلب يخاطبه ، وإذا خاطبه في الهجر لم يوافقه ، إنما المحب الصادق هو القائل : يقولون لو عاتبت قلبك لا رعوى * فقلت : وهل للعاشقين قلوب ؟ انتهى كلامه . والبيت الثاني لا مريء القيس قاله في أم جندب . وقال أيضا في كتابه السر المصون : مثل المحب للعلم مثل العاشق فإن العاشق يهتم بمعشوقه ويهيم به . وكذلك المحب للعلم ، فكما أن العاشق يبيع أملاكه وينفقها على معشوقه فيفتقر كذلك محب العلم فإنه يستغرق في طلبه العمر فيذهب ماله ولا يتفرغ للكسب ، فإذا احتاج دخل في مداخل صعبة ، فمنهم من يتعلق بالسلاطين إما أن يدخل في أشغالهم أو يطلب منهم ، ومن العلماء من يطلب من العوام البخلاء ، ومنهم من يرجع عن الجد في العلم إلى الكسب . وقد كان للعلماء قديما حظ من بيت المال يغنيهم ، وكان فيهم من يعيش في ظل سلطان كأبي عبيد مع ابن طاهر والزجاج مع ابن وهب ثم كان للعلماء من يراعيهم من الإخوان حتى قال ابن المبارك : لولا فلان وفلان ما اتجرت ، وكان يبعث بالمال إلى الفضيل وغيرهم ، ثم قال ذلك المعنى فصار أقوام من التجار يفتقدون العلماء بالزكاة فيندفع الزمان ، وقد وصلنا إلى زمان تقطعت فيه هذه الأسباب حتى لو احتاج العالم فطلب لم يعط ، فأولى الناس بحفظ المال وتنمية اليسير منه والقناعة بقليله توفيرا لحفظ الدين الجاه والسلامة من منن العوام الأراذل -